ابن بسام
115
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
بضمانه ، ويكافئه على سالف إحسانه . وكان عاقده ابن ذي النون أنه إذا ضرح قذاها ، وأماط أذاها ، واقتضى دينها ، خلى بينه وبينها . هذا [ ما ] أضمر ، فأمّا الذي أظهر ، فإنه وعده أداء جملة من المال ، لا تفي به مدّة الإقبال ، ولا إرخاء الحال ، راهنه بها أبناء الأمجاد ، وبقايا معاقله الأفراد ، وألقى أهل طليطلة بأيدي الصّغار ، على حين أيقنوا بالبوار ، وضاقت عليهم أنشوطة الحصار . فجاء ابن ذي النون يقدمه أذفونش ، وهو يظهر من التزام برّه ، وإعزاز نصره ، ما بهر العقول ، وكثّر القال والقيل ، حتى زعموا أنه رفع صوته يدعو إليه ، وترجّل يمشي بين يديه ، وصار أعجب من تورّط في حبائل كيده ، وجعل الضرغام بازا لصيده [ 1 ] . وكم رام أهل طليطلة قتل ابن ذي النون في أثناء تلك الوشلات [ 2 ] مرارا ، ولكنه بلغ مداه ، وكره اللّه لقاءه فأبقاه ، وكانت للّه فيه مشيئة أمضاها ، وقضية انظر به إناها [ 3 ] ، لذلك ما خبأته صروف الأيام ، وسلم من الحمام إلى الحمام [ 4 ] . فلما كان يوم النحر سنة أربع وسبعين ، نهدوا له / في عددهم وعديدهم . وزحفوا إليه بحدّهم وحديدهم ، فتجاولوا عامّة يومهم في شوارعها ، يترامون بدوامغ الحتوف وقوارعها ؛ فأجلت الحرب عنهم قد شرقوا بغصّتها ، وخلوا بينه وبين عرصتها . وتساقطوا على أذفونش يشكون ابن ذي النّون إليه ويستصرخونه عليه . فرماهم بحجر ، ولبس لهم جلدة نمر . فتفرّقوا بكلّ سبيل ، وطاروا على كلّ صعب وذلول ، حتى مات ابن مغيث كبيرهم الذي علمهم السّحر ، وطاغوتهم الذي شرع لهم الكفر ، بشيمتور [ 5 ] من أرض قشتيلة بين الدّنان والصّلبان ، فسار وإلى اللّه إيابه ، وعليه حسابه . ورجع بنوه أخيرا فانتزوا بمدينة مجريط ، وانحشر إليهم ذؤبان الوقائع ، وأذبّة المطامع ، فكانت بين ابن ذي النّون وبينهم أيام عدّتهم له عدّا ، وساقتهم إليه وردا ، حتى باد جمهورهم ، وتلاحقت أعجازهم وصدورهم ، وبلغ ابن ذي النّون من هدم ربوعهم ، وصلبهم على جذوعهم ، ما يبرد صدر الموتور ، ويضحك سنّ الموت المبير .
--> [ 1 ] من قول المتنبي : ومن جعل الضرغام بازا لصيده * تصيده الضرغام في من تصيدا وفي ص : الضرغم بازيا . [ 2 ] ص : الوسلات ، والوشلات : حالات الضعف . [ 3 ] ناظر إلى الآية الكريمة : إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ ( الأحزاب ) . [ 4 ] من قول المتنبي أيضا : وإن أسلم فما أبقى ولكن * سلمت من الحمام إلى الحمام [ 5 ] التاء غير معجمة في ص .